Friday, July 25, 2008


عـرض بـعنـوان

المكتبة في رحلة "ماء الموائد"

Rounded Rectangle: المكتـبة في رحـلة " مـاء المـوائـد " .



سـي محمد أملـح


1 – المكتبـات و الخزانـات .

تعني كلمة " مكتبة " المستودع الذي تحفظ فيه الكتب . وهي كلمة حديثة . أما القدمـاء فقد استعملوا مصطلحات أخرى للتعبير عن كلمة مكتبة . فقالوا : خزانة الكتب ، و دار الحكمة ، و بيت الحكمة ، و خزانة الحكمة ، و دار العلم . و اللفظ الشائع في الاستعمال المغربي حسب كتب التراث هو " خزانة الكتب " . و لعل الذي يقرأ رحلة " ماء الموائد " سيجد أن صاحبها استعمل هذا اللفظ . و للإشارة فإن لفظة الخزانة ظلت منتشرة إلى نهاية الستينات من القرن الماضي ، و ذلك إلى أن ارتأت وزارة الثقافة المغربية أن تطلق كلمة " خزانة " على المؤسسات التي تحفظ الكتب على اختلاف أنواعها و أصنافها . في حين احتفظت بلفظة " مكتبة " على الدكاكين و المحلات التجارية التي تمارس بيع و شراء الكتب .

لم يفت أبا سـالم العياشي في إطـار تنقلاته في رحلاته أن يزور المؤسسات العلمية و الثقافية الكبرى ، فيوجه نظره للحديث عن خزانات العلماء صغيرة كانت أم كبيرة ، خاصة كانت أم عامة ، و ينوه ببعضها لما له من قيمة علمية . و قد جاء الحديث عن هذه الخزانـات في الرحلة مقسما إلى صنفين :

أ – الخزانـات الخـاصة أو الشبـه الخـاصة .

في غير ما مرة تحدث أبو سالم عن خزانات الكتب الخاصة التي لفتت انتباهه أثناء زيارته للعلماء و الشيوخ . و من شدة إعجابه بهذه الخزانات لم يجد مؤلفنا بدا من الإشارة إليها و التنويه ببعضها . و لعل أوفى حيث عن المكتبة في هذه الرحلة هو ذلك الحديث الذي خص به العياشي الشيخ محمد بن إسماعيل الكوراري الذي أوصى بعد وفاته بتكوران عام ( 1064 هـ ) بأن ‹‹ يصبر شخصه بصبر و كافور و يحمل إلى المدينة المشرفة ››(1) . فقد خلف هذا الشيخ رصيدا ضخما من الكتب أوصى بها لخادم الروضة الشريفة . و ‹‹ ... بقيت كتبه هناك مدة ، ثم حملوها إلى القليعة ، ... و لم تزل هناك إلـى أن ذهب سيدي علي بن الشيخ الحفيـان للحج بعد ذلك بسنـتين فبعثوهـا

1 – أبو سالم العياشي ، ماء الموائد ، تحقيق محمد حجي ، الطبعة الأولى المصورة بالأوفسيط ، سنة 1977 ،

جزء 1 ، ص 40 .

معه ، و ضاع كثير منها بسبب ذلك ››(2) . و قد صرح العياشي بأنه رأى بعضا من هذه الكتب بالمدينة المشرفة رغم أن الذي ضاع منها حوالي تسعون بالمائة مما خلف صاحبها عقب وفاته . يقول أبو سالم عن ذلك : ‹‹ و قد رأيت بعضها بالمدينة المشرفة . و رأيت زمام ما وصلت منها . و ليس يشبه ذلك عدة كتبه . و قد أخبرني بنفسه رحمه الله قبل موته بسنة لما لقيته بفيكيك أن كتبه تبلغ تقريبا من ألف و خمسمـائة تأليف رأيت منها جملة كثيرة و هي كتب نفيسة جدا اقتنى أكثرها لما كان بمدينة اسطنبول . اشتراها له الوزير الأعظم بسبب حكاية وقعت له معه قبل أن يتولى الوزارة ... ››(3).

يتضح من خلال النص أن خزانة الشيخ الكوراري كانت خزانة عظيمة من حيث الكم و الكيف . فعدد الكتب الذي يبلغ ألفا و خمسمائة كتاب يدل على ضخامة هذه الخزانة . أضف إلى ذلك أن كتبها كانت متنوعة و نفيسة جدا كما أشار إلى ذلك أبو سالم . و لو كانت وصلت هذه الكتب كلها إلى خزانة المدينة المشرفة لكان شأن هذه الخزانة أعظم من شأنها في زمانها ، و لكانت غنية أكثر .

و من بين الخزانات الخاصة التي تحدث عنها أبو سالم بفيكيك أيضا و ذلك في مرحلة العودة من الرحلة " خزانة الشيخ سيدي عبد الجبار " ، و لكنه لم يكتب لأديبنا الإطلاع على ما تزخر به هذه الخزانة من كتب نفيسة ‹‹ لغيبة الذي عنده المفتاح ››(4). إلا أن أبا سالم اطلع بهذه البلدة على تآليف غاية في الأهمية و استعار بعضا منها .

بالإضافة إلى ذلك فقد تحدث العياشي عن خزانة الشيخ محمد المكني مفتي طرابلس الذي ‹‹ كان من أعلم أهل ذلك الساحل . تولى الفتوى ببلده و اشتغل بالتدريس و له مشاركة حسنة في عدة فنون ››(5) . فقد لقي أبو سالم هذا المفتي في الذهاب و جالسه في داره و رأى خزانته التي وصفها بالفريدة في ذلك البلـد . يقول عن ذلك : ‹‹ و لم تطل


2 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 41 .

3 – نفسه ، نفس الصفحة .

4 – نفسه ، ج 2 ، ص 420 .

5 – نفسه ، ج 1 ، ص 68 .

مجالستي له ، و استعرت منه المطول لسعد الدين فأعاره . و كانت له خزانة كتب ليس مثلها لأحد عند أهل بلده ››(6) . و الجدير بالإشارة أن أبا سالم في إطلاقه هذا الحكم على مكتبة الشيخ المكني لم يكن عشوائيا أو إخوانيا من باب المجاملة ، بل إن الرجل يعي ما يقول . فحكمه هذا إنما هو متأت من الدراية الكبيرة بالمنطقة و شيوخها و مراكز العلم فيها .

و إلى كل ما سبق نضيف إشارة بسيطة لأبي سالم إلى خزانة الشيخ الملا إبراهيم بن الحسن الكوراني الشهرزوري عندما اجتمع به المؤلف لأول مرة بالمدينة ، و ذلك بمساعدة الشيخ أبي الحسن الربيع . فعندما دخلا إليه وجداه ‹‹ في علية له فيها كتبه التي يطالع فيها ››(7) . فحتى و إن لم تحظ هذه الخزانة الصغيرة بالوصف الكبير ، و كانت الإشارة إليها بشح ، فإننا نظن أنها ذات أهمية بحكم مستوى و مكانة صاحبها بين علماء المدينة .

ب – الخزانـات العـامة .

و سنبدأ بالحديث عما قاله العياشي عن خزانة الكتب بالمسجد النبوي الشريف . فقد كتب له أن يراها في أحد الأيام . يقول : ‹‹ و أخرجت الربايع التي فيه المصاحف العتيقة و الأجزاء الحسـان من وقف الملـوك و الكبراء ، و صففت في قبلة المسجد . و فتحت خزائـن الكتب العلمية الموقوفة بالحرم الشـريف يستعين منها الناس للقراءة ››(8) . يتضح من النص أن خزانة الحرم النبوي الشريف خزانة عظيمة جدا بدليل ورود لفظتي الربـايع و الخزائن على صيغة الجمع . فإذا كانت هذه المكتبة واحدة فإنها تضم عدة خزانات صغيرة يتكلف أحد الأشخاص بالإشراف عليها .و هذا يدل على ضخـامة هذه المكتبة و غنائها الكبير من حيث الكتب . و لعل ذلك راجع إلى كثرة تبرعات الملوك و العلماء الذين يوقفون كتبهم و خزاناتهم لخزانة الروضة النبوية الشريفة يستعين منها الناس للقراءة و الدرس . و ذلك مثل ما فعل الشيخ محمد بن إسماعيل الكوراري حينما أوقف كتبه لهذه الخزانة بعد موته .

6 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 68 .

7 – نفسه ، ج 1 ، ص 328 .

8 – نفسه ، ج 1 ، ص 284 .

و مما يزيد تأكيدا على ضخامة هذه الخزانة أنه يشرف على كل قسم من الخزائن خادم معين يكون له شـأن كبير حتى يكلف بهذه المهمة . فعلى سبيل المثـال نجد الشيخ محمد الفزاري و هو من أقدم المجاورين بالمدينة المشرفة قد ‹‹ كانت على يده خزائن من كتب الوقف منها كتب السيد محمد بن إسماعيـل المسناوي التي أوقفها و بعث بها من المغرب ››(9) . و للإشارة فإن لهذا الشيخ فضلا كبيرا على أديبنا أبي سالم ، إذ كان يعينه بما يحتاج إليه من إعارة الكتب أيام إقامته بالمدينة المنورة .

و فيما يلي سنتحدث عن الخزانة بالحرم المكي . و لكن أبا سالم لم يشر إليها صراحة و يخصها و لو بحديث مقتضب . إلا أننا يمكن أن نستنتج وجودها من الرحلة في مواضع معينة . فقد ذكر أبو سالم أنه وجد نسخة لرحلة ابن رشيد لسبتي عند الشيخ ‹‹ أبي مهدي ، و كانت في وقف المغاربة برباط الموفق ››(10) . أضف إلى ذلك أنه رأى كتاب تاريخ الإسلام للذهبي موجودا ‹‹ في وقف قايت بأي بمكة في رباطه المعروف ››(11) . هكذا يتضح من خلال هذه الإشارات أن هناك عددا من أوقاف الكتب بمكة تمثل شبه مكتبات عامة صغيرة ، و تشكل في تظافرها الخزانة العامة للحرم المكي .


9 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 46 .

10 – نفسه ، ج 2 ، ص 238 .

11 – نفسه ، ج 2 ، ص 254 .

2 - الكتـب .

لقد جاءت رحلة ماء الموائد زاخرة بعدد هائل من الكتب المتعددة المجالات و المختلفة الأحجام . فمنها ما هو متعلق بعلوم الدين من قبيل التفسير و الحديث و الفقه و الأصول و السيرة . و منـها ما يندرج في مجال الأدب بمـا فيه من لغة و نحو بلاغة و عروض . و منها ما يختص بالتصوف فيصف طرقه و أحوال أصحابه ...الخ. و لعل جل هذه الكتب ساهمت في تكوين شخصية أبي سالم الثقافية و رفعت من مستواه العلمي حتى أضحى أديبنا أحد العلماء الأفذاذ في القرن الحادي عشر .

هكذا نلفي الكتب التي أشار إليها أبو سالم في رحلته تفوق خمسمائة كتاب . فمنها ما وقف عندها أديبنا ليحدثنا عن موضوعها و فوائدها ، و ذلك يبرز استحسانه لها ، و إذ ذاك نجد العيـاشي يردف حديثه عن هذه الكتب بنقد ذوقي أو لغوي أو بلاغي لهـا . و هناك من الكتب ما كانت الإشارة إليه إشارة عارضة لنقل نص أو إيراد فائدة أو قولة مأثورة لصاحب هذا المؤلف .

و تبعا لذلك فإننا نميز في الكتب التي وردت في الرحلة بين :

أ – الكتب النادرة و الغريبة .

و هذا الصنف من الكتب قد تكرر ذكره في الرحلة مرات عدة ، حيث كان أبو سالم يقف عند هذه الكتب على أنها نادرة في موضوعها ، و غريبة في تأليفها ، و قليلة الانتشار في العالم الإسلامي . و في الغالب كانت غرابة هذه التآليف متأصلة من عدم معرفة أهل المغرب بها . و لشدة انجذاب العياشي لهذه الكتب و إعجابه الشديد بها ، نراه قد خصص فصلا كبيرا عن بعض ما قيده بمكة من كتب نادرة و غريبة . فنجده يورد هذه الكتب ثم ينتقي منها عدة نصوص لفائدتها الكبيرة في مسائل معينة .

و من تلكم الكتب النادرة التي رآها العياشي بمكة المكرمة نجد أولا رحلة الشيخ المحدث محمد بن رشيد السبتي التي يقول عنها : ‹‹ رأيت منها أجزاء بمكة عند شيخنا أبي مهدي . و كانت في وقف المغاربة برباط الموفق . و على هذه النسخة خط المصنف في أماكن و خط تلميذه الإمام عبد المهيمن الحضرمي . و كانت النسخة ملكا له . و هذه الرحلة كثيرة الفوائد العلمية . فمنها ... ››(12) . ثم يورد نقولا كثيرة من هذه الرحلة تفوق عشرين نصا ، أو كما أشار إلى ذلك عبد الله الترغي أن هذه النقول ‹‹ قاربت خمس عشرة صفحة من حجم المطبوع الحجري ››(13) .

و كمثال لتلك النقول تكثيرا للفائدة الحكاية التي ذكرها ‹‹ ابن رشيد في رحلته فيما وقع بينه و بين ابن دقيق العيد في قراءة البسملة أول الفاتحة ››(14) ، و ذلك في معرض حديث أبي سالم عن الرسالة التي ألفها و المسمـاة " رفع الحجر عن الإقتداء بإمام الحجر " . و قد أورد نصها كاملا(15) .

و بعد مؤلف ابن رشيد يطلع العياشي على سفر في القالب الكبير في الأمداح النبوية من تأليف و جمع محمد بن أبي القاسم بن أحمد بن عبد الرحمان الأنصاري ، أدرج فيه كل ما قيل من مدح عن الرسول صلى الله عليه و سلم . و كـان مما ضمه هذا السفر العظيم و الضخم ‹‹ المعلم الرابع من كتاب الدرة السنية في المعالم السنية . و هو في السيرة النبوي و الأعلام المحمدية للقاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن أصبع الأزدي . و ذكر في آخره أن عدد أبيات الكتاب سبعة آلاف من الرجز ... و من جملة ما في هذا السفر أيضا و هو نحو النصف : اللآلي المجموعة من باهر النظام و بارع الكلام في صفة مثال نعل رسول الله صلى الله عليه و سلم ، مما انتدب لجمعه رجاء نفعه عبد الله بن محمد بن هارون الطائي القرطبي ››(16). و يشير أبو سالم في تعليقه على هذا المؤلف إلى أن الشيخ أبا العباس المقري لو اطلع على هذا السفر لكان له شأن كبير في كتابه " فتح المتعال في مدح النعال " .

و يتابع العياشي سرد الكتب الغريبة التي رآها بمكة ، و من ذلك‹‹ تاريخ الإسلام للحافظ أبي عبد الله الذهبي . و هو عشرة أجزاء كبار ››(17) . و يقف أبو سالم وقفة

12 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 238 .

13 – " الرحلة الفهرسية نموذج للتواصل داخل العالم الإسلامي " ، سلسلة ندوات و مناظرات رقم 108 ،

منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط ، ص 36 .

14 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 276 .

15 – نفسه ، ج 2 ، ص 259 .

16 – نفسه ج 2 ، ص 254 .

17 – نفسه ، نفس الصفحة .

متأنية مع هذا الكتاب لينوه بأهميته و فائدته ، فيقول : إنه كتاب ‹‹ لم يدع شاذة و لا فادة مما تتشوق إليه النفس من علم التاريخ إلا أودعها كتابه مع الاختصار و الإتقان ، فكأنما جمعت له الدنيا و أهلها في صعيد واحد ››(18) . ولا يأبى أبو سالم إلا أن يتحفنا ببعض النقول من هذا الكتاب لأهميتها ، و ذلك بعدما أتيح له أن يطالع أجزاءا منه . فقد أورد منه حكاية في ترجمة الشيخ أبي الحسن السخاوي . و ختم الحكاية بأنها مذكورة في تاريخ ابن خلكان .

و من بين أجود الكتب التي تناولت أخبار الصوفية نجد طبقات الصوفية للمنوي التي يقول العياشي بشأنها : ‹‹ و من الكتب الغريبة التي رأيتها بمكة طبقـات الصوفية للمنوي . و قد أجاد فيها سيما للمتأخرين من الصوفية ، فلم أر أخبارهم مستوفاة في غيرها ››(19) . ثم يورد تراجم لبعض أئمة الصوفية كالشيخ زروق مثلا .

و قبيل أن يختم أبو سالم قائمة الكتب التي رآها بمكة ، يحدثنا عن كتاب ‹‹ إتحاف الورى بأخبار أم القرى للشيخ نجم الدين عمر بن فهد ››(20) . هذا الكتاب الذي طالعه و انتقى منه عدة نقول . و يختم أبو سالم لائحته بحديثه عن رؤيته لكتاب ‹‹ القوانين لابن أبي الربيع في علم النحو ››(21) ، ثم ينتقي منه نصا مفيدا أيضا .

و الملاحظ أن أكثر الكتب التي اطلع عليها العيـاشي بمكة قد انتقى منهـا نصوصا و نماذج تفصح عن غرابة و ندرة هذه المؤلفات من جهة ، و من جهة أخرى تفصح عن شدة إعجاب العياشي بها و اغتباطه بمطالعتها و الاستفادة منها .

و لم يفت أبـا سالم أن يمتع قـارئ رحلته بإطلاعه على عدد من المؤلفات النادرة و الغريبة التي شاهدها في رحلته مع تقريضه لها و نقله منها لنصوص غاية في الأهمية والإفادة . و من ذلك الكتاب الذي رآه فقيهنا عند الشيخ شهاب الدين أحمد بن التـاج ( ت 1810 ) . وهو مؤقت بالحرم الشريف . يقول أبـو سالم عن ذلك الكتب منوها


18 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 254 .

19 – نفسه ، نفس الصفحة .

20 – نفسه ، ج 2 ، ص 257 .

21 – نفسه ، نفس الصفحة .

بندرته و ضخامته فضلا عن عظمته و جلالة فائدته : ‹‹ رأيت عنده كتاب الجفر الكبير الذي قل أن يوجد في الدنيا حتى قال بعضهم إنه من الأشيـاء التي وضعت لها الأسامي و لم توجد مسمياتها . و هو سفر كبير نحو الأربعين كراسـا في القـالب الكبير ››(22) . ثم ينتقي منه نصوصا كثيرة .

إلى هذا نضيف كتاب " التذكرة " في الطب لصاحبه الشيخ داود الأنطاكي . فهذا الكتاب حسب العياشي يعد من المؤلفـات ‹‹ التي لم يؤلف مثلها في ذلك الفن ››(23) ، و ذلك في زمانه .

إن قائمة الكتب الغريبة و النادرة التي كان اهتمام العياشي منصبا على الإشارة إليها و التعريف بندرتها و أهميتها في الرحلة لقائمة طويلة . لكننا بتصفحنا لهذه القائمة نجد عددا من الكتب التي وقف عندها العياشي لغرابتها سيما ببلاد المغرب . و لا يأبى أديبنا إلا أن يذيل حديثه عن هذه الكتب بنقول مهمة منها .

فمن تلكم الكتب نجد طبقات السبكي و ما انتقاه أبو سالم منها للإفادة . و هذا الكتاب غريب جدا عن أديبنا ، إذ لم يسمع به قط و لم تقع عينيه عليه أبدا . يقول العياشي عنه : ‹‹ و حيث كان القصد من هذه الرحلة جمع الفرائد لا انتقاء الفرائد، فلنذكر ما انتقيته من الفوائد من السفر الثـالث المستعـار من طبقات السبكي تكثيرا للفائدة . و هي مع طولها مستجادة مستحسنة قل أن توجد في غيره لغرابة هذا الكتاب بمغربنا . فلم تقع عيني عليه و لا سمعت أذني عند أحد في قطرنا ››(24) . و قد خص العياشي بنفس الحديث السابق الذكر تآليف أخرى مثل كتاب " تيسير الوصول إلى جامع الأصول " الذي اعتبره ‹‹ غـاية في بـابه . جمع أحاديث الأصول السنية بأوجز عبارة و أحسن ترتيب . و أسلوبه في ذلك ألطف من أسلوب البارزي في اختصاره المسمى بالمجتبى ››(25) . و كمثال آخر رسالة التحفة المرسلة التي ذكرها المؤلف ‹‹ بتمامها




22 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 2 .

23 – نفسه ، ج 1 ، ص 27 .

24 – نفسه ، ج 2 ، ص 59 .

25 – نفسه ، ج 2 ، ص 420 .

لوجازتها و غرابتها في مغربنا ››(26) . و هي في غاية الإفادة . يتمحور مضمونها حول الدلالة على وجود الله تعالى و كيفية الوصول إلى إدراك هذا الوجود .

ب – الرحلات السابقة التي نقل منها المؤلف .

إن القارئ لرحلة " ماء الموائد " لن يفوته أن يلحظ أن متنها يحوي اقتباسات عديدة . كما أن له صلات تناصية مع عدة متون رحلية أخرى . و هذا أمر مشهود في عدد من الرحلات حيث اعتمد مؤلفوها على رحلات أخرى سبقتها تكثيرا للفائدة و إثباتا لصحة المعلومات . و عليه فإن أحد الدارسين المغاربة العاصرين تنبه لكون " ابن بطوطة " قد نهل من ابن جبـير . و العمـراوي استفاد من الطهـطاوي . و الزياني رجع بين الفينة و الأخرى إلى العياشي و الغيغائي (27). و تبعا لذلك كله فإن أبا سالم لم يحد عن هذه القاعدة . إذ نراه خلال رحلته يعود في بعض الأحيان لينقل لنا نصوصا متبـاينة المواضيع و مقتبسة من متون رحلية متعددة غالبيتها مغربية . و من ذلك ما نقله أديبنا من رحلة ابن رشيد السبتي ( ت 721 هـ ) التي يعتبرها رحلة ‹‹ كثيرة الفوائد العلمية ››(28).

و رحلة " ملء العيبة " تأتي في المقام الأول عند العياشي لكثرة النقول التي انتقاها منها ليمتع قارئ رحلته بفائدتها . فقد نقل منها نصوصـا متعددة فاقت العشرين نصا . و قد جاءت هذه النقول متتابعة فضلا عن عدة نقول أخرى متفرقة في الرحلة مثل حديثه عن حكاية لابن حزم الظاهري . أو في موضع آخر عندما أورد نصا من رحلة ابن رشيد على أنه لطيفة من اللطائف و ذلك للاستفادة منه على أنه قول مأثور . و الجدير بالإشارة هنا أنه رغم الاستطرادات الكثيرة التي مثلتهـا هذه النقول و النصوص التي جاءت ممنهجة و منتقـاة بعناية . فإن رحلة " مـاء الموائد " حفظت لنـا نصوصا كثيرة من الضياع ، و بخاصة نصوص رحلة ابن رشيد . هذه الرحلة التي ضاع عدد من أجزائها .

و لا يكتفي أبو سالم في النقل من رحلة " ملء العيبة " فحسب ، بل إننا نراه يقتدي


26 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 339 .

27 – عبد الرحيم مودن ، أدبية الرحلة ، ط 1 ، دار الثقافة ، البيضاء ، 1996 ، ص 18 .

28 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 238 .

بصاحبها ابن رشيـد في النقل من مصنف البكري . يقول : ‹‹ و قد اقتديت في الإكثار من النقل من هذا الكتاب ـ يقصد رحلة البكري ـ بإمام المرتحلين و شيخ المحدثين الشيخ ابن رشيد السبتي في رحلته المسماة ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الرحلة إلى مكة و طيبة . و قد أكثر ـ يقصد ابن رشيد ـ من الفوائـد خصوصا من هذا الكتاب . فربما ينقل الجزء بكماله تكثيرا للفائدة ›› (29) .

و كـان العياشي قد ظفـر حسب قوله برؤية و مطـالعة مصنف البكري بمصر . و الواضح أنه راقه لفظا و معنى ، و شكلا و مضمونا . يقول : ‹‹ ... ذكر فيها منازل الحج ذهابا و إيابا ... بنثر بليغ و عبارات رائقة . و ذكر في كل مرحلة شعرا يتعلق بأحوالهـا . فأردت أن اقتطف منها ما يكون في أذن هذه الرحلة شنفا ››(30) . و مما رواه أبو سالم عن البكري و كتبه بخطه ‹‹ رسالة الإمام أبي القاسم القشيري المسماة بشكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة . و هي غريبة ذكر فيها أشياء مما نسبه أهل البدعة للإمام الأشعري ››(31) .

كما التجـأ أبو سالم العيـاشي إلى " الرحلة المغـربية " لمؤلفهـا العبدري الحاحي ( ت بعد 740 هـ ) ، و ذلك أثناء حديثه عن مدينة لبدة التي بناها الملك دقيوس . يقول : ‹‹ و قد ذكر العبدري هـذه المدينة في رحلته ، وذكر أنه وجدها خالية . و الذي يظهر أنهـا خلت قبل الإسلام ››(32) . و في موضع آخر من " ماء الموائد " يلتجأ العياشي إلى العبدري في إطار مقارنة تخص تقسيمات أرض برقة بليبيا . فانتهى إلى أن الاختلاف بينه و بين العبدري راجع إلى أن تقسيم العبدري لبرقة ‹‹ جار على اصطلاح زمانه ››(33) .

و لنختم قائمة الرحلات التي نهل منها أبو سـالم نجد أن هذا الأخير قد استفاد من


29 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 161 .

30 – نفسه ، ج 1 ، ص 161 .

31 – نفسه ، نفس الصفحة .

32 – نفسه ، ج 1 ، ص 92 .

33 – نفسه ، ج 1 ، ص 110 .

رحلة أبي البقاء البلوي ( ت 768 هـ ) و ذلك في إشارة بسيطة عقب الحديث عن عثوره عند أحد الشيوخ بالمغرب على كتاب مختصر معالم الإيمان و روضات الرضوان في

مناقب المشهورين من صلحاء القيروان . يقول أبو سالم : ‹‹ و قد ذكر البلوي في رحلته

أنه لقي صاحب هذا التأليف و أثنى عليه و على تأليفه هذا ››(34) . و للإشارة فإن كتاب مختصر معالم الإيمان هو لصاحبه ابن ناجي . و قد اغتبط به العياشي كثيرا حتى إنه سهر عليه يطالعه معظم الليل عند مبيته عند الشيخ سيدي محمد الصالح .

هكذا يتضح من خلال ما سبق أن أبا سالم العياشي كان على دراية كبيرة بجل المؤلفات الرحلية التي ألفت قبله . و هذا أمر يعكس اهتمامه وتقديره لهذه الرحلات من جهة ، و حرصه على توسيع ثقافته و إغنائها من جهة أخرى . لذلك كان صاحب " ماء الموائد " لا يتوانى في إيراد النصوص التي ستفيد القارئ حسب ظنه ، و التي ستساهم في تحقيق رغبته و قصده من كتابة هذه الرحلة . و الجدير بالإشارة في هذا المقام أنه مثلما اعتمد العياشي على رحلات سابقيه و نهل منها ، فإن رحلته كانت قبلة اتجه إليها المؤرخون و الرحالة و الأدباء من بعده . فقد اعتمد عليها القادري في " التقاط الدرر " ، و الإفراني في " صفوة ما انتشر " ، و الكردودي في " الدر المنضد الفاخر " ، وأحمد الناصري في رحلته المسماة " شيخ الطريقة و قعدة الشريعة و الحقيقـة "، و الهشتوكي في " هداية الملك العلام "، و الورثلاني في رحلته المسماة " بنزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار " ، و أبو القاسم الزياني في رحلته المسماة " بالترجمانة الكبرى " ، و غيرهم .

ج - تآليف شيوخه .

لقد أفرد العيـاشي فقرات خاصة في رحلته أفردها لتآليف شيوخه التي نالت إعجابه و لم يجد بدا في إعطائها حيزها من الرحلة . و نخص بالذكر في هذا المقام ما خص به المؤلف شيخه الملا إبراهيم بن الحسن الكوراني الشهرزوري . فقد عرف بتآليف شيخه هذا و أثنى عليها كثيرا . فمن تـآليفه ‹‹ كتب إنباه الأنباه على إعراب كلمة لا إله إلا الله . ابتدأه في بلـده و فرغ من تهذيبه و تحقيـقه و إكمـاله بعد استقراره بالمدينة .




34 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 404 و 405 .

و هو كتاب مفيد لم يؤلف في معناه مثله ، أودعه من التحقيقات ما لا يوجد في غيره ، و من النكث النحوية و القواعد الأصولية و المباحث البيانية كل درة فريدة و جمانة ثمينة لم يدع شيئا يتعلق بإعراب الكلمة المشرفة من جميع العلوم إلا ذكره مع زيادة في التحقيق و التدقيق ... و بالجملة فهو كتاب نفيس محتو على درر العلم ››(35) حتى تنافس المغاربة على استنسـاخه لما أدخله العياشي إلى المغرب . و من مصنفات الشيخ الملا ابرهيم كذلك ‹‹ إفاضة الملك العلام في مسألة الكلام . أجاد فيه كل الإجادة ... و مبنى هذا التأليف أولا تحقيق النزاع الذي بين الأشعرية و الحنابلة ››(36) . و ‹‹ من تآليفه أيضا القول الجلي ... و من رسائله التتمة على المسألة المهمة ... و منها رسالة أخرى سماها ذيل التتمة في المسألة أيضا ... و منها رسـالة في حديث الأعمـال بالنيات ››(37) . كما أن له عدة تآليف أخرى منها ‹‹ الشرح الكبير و الصغير على منظومة الصفي في العـقائد . و قد أجـاد فيهما كل الإجادة و أحسن غاية الإحسان ››(38) . و قد وهب الشيخ إبراهيم الكوراني نسخة من الشرح الكبير إلى مؤلفنا أبي سالم و كتب له الإهداء على ظهرها .

و إلى تآليف الشيخ إبراهيم نضيف تآليف الشيخ القشاشي التي خصص لها العياشي مكانا بين ثنايا رحلته و نقل نصوصا منها من باب الإفادة . و تآليف القشاشي كثيرة يصفها العياشي بقوله : ‹‹ و هي كثيرة تقارب السبعين فيما أظن . رأيت من أسمائها مقيدا في برنامج بعض الأصحاب . و الذي تعلق ببالي منها الآن شرحه على حكم ابن عطاء . و هو غاية في الجودة لولا صعوبة كلامه على القاصرين من أمثالنا لدقة مغزاه ... و منها حاشية له على الواهب اللدنية للقسطلاني مفيدة مع صغرها . رأيتها بخطه في عدة كراريس . و منها بستـان العابدين ذكر فيه أورادا كثيرة بـأدلتها و فضائلها و فضائل آيـات من القرآن و سور منه . و هو غـاية في بابه . و منها كتاب السمط


35 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 398 .

36 – نفسه ، ج 1 ، ص 398 و 399 .

37 – نفسه ، ج 1 ، ص 404 .

38 – نفسه ، ج 1 ، ص 406 .

المجيد... و منها رسائله الثلاث في الكسب ... و منها الرسالة المسماة ضوء الهلة في ذكر هو و الجلالة ››(39) . هذا و عدة تآليف أخرى للقشاشي يتسحسنها العياشي و يثني عليها ثم ينتقي منها بعض النصوص. فمنها شرحه ‹‹ لرسالة السيد سالم شيخان المسماة منقدة الموهوم من مزلقة الهموم . و هي صغيرة جدا، موجزة لفظا، كبيرة قدرا ››(40) . و منها ‹‹ الإفاضة الرحمانية على الكمالات الإلهية . و هو حاشية على متاب الكمالات الإلهية للشيخ عبد الكريم الحيلي رضي الله عنه . وهو كتاب مفيد ، جليل القدر، نبيه الذكر ... و هذه الحاشية مفيدة جدا . و لنذكر كلاما منها ... ››(41) .

هكذا يتضح أن هذه التآليف مختلفة المواضيع تنتمي لمجالي الدين والأدب . و هذا يفسر اهتمام أبي سالم العيـاشي بهذين المجـالين و سعيه إلى أن تكـون ثقـافته متنوعة و شبه موسوعية حتى غدا عالما مبرزا في المجالين السالفي الذكر .

د – الكتب التي قرأها العياشي أو أقرأها في رحلته .

لقد كـان العياشي خلال رحـلته حريصا على لقاء العلماء و الشيوخ في كل مدينة أو قرية دخلها و حط بها الركب للاستراحة . كما كان شديد الحرص على الاستفادة من هؤلاء العلماء و الظفر منهم بالإجازة في بعض الأحيان عقب التمكن من عدة متون أدبية أو دينية . و مثلما كان العياشي حريصا على التعلم و الدرس فإنه كان في بعض الأحيان يشتغل بالتعليم و التدريس إذا طلب منه ، و يجيز في ذلك أحيانا . كل هذا كان يجري في المراكز العلمية الكبرى من المغرب إلى المشرق . و هي أربعة : اثنان منها على طول الطريق و هما طرابلس ( الغرب ) و القاهرة . وهما موقفان رئيسان حيث يتجدد إعداد الركب من أجل استئناف السفر . أما المركزان الآخران فهما مكة المكرمة حيث الوافدون من علماء الحجاج من أرجاء الدنيا . و المدينة المشرفة حيث المجاورون منهم لمقام النبي (ص) و هم كثيرون . و نضيف إلى هذه المراكز العلمية الكبرى بعض المراكز الأخرى كفلسطين مثلا حيث استفاد العياشي هناك من عدة علماء و شيوخ .


39 – ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 424 .

40 – نفسه ، ج 1 ، ص 425 .

41 – نفسه ، ج 1 ، ص 425 و 426 .

أما فيما يخص ما درسه أبو سالم و قرأه فهو كثير، كثير . نمثل له فيما قرأه بالمدينة على شيخه الملا إبراهيم الشهرزوري . فنجده قرأ ‹‹ شرح الهداية في الحكمة لولد السيد الجرجاني قراءة بحث و تدبر و تحقيق من أوله إلى آخره ››(42) . و كذلك قرأ على شيخه ‹‹ طرفا من شرح المواقف للسيد ››(43) الجرجاني و أجازه شيخه عليها . و أورد العياشي نص الإجـازة كاملا(44) . و ممـا قرأه عليه أيضا رسـالة في علم الحقائق موسومة ‹‹ بالتحفة المرسلة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم للشيخ محمد بن فضل الله الهندي ››(45) . و أيضا ‹‹ إجازة الشيخ محيي الدين بن العربي الحاتمي رضي الله عنه كتب بها لبعض ملوك وقته ››(46) . ناهيك عن عدد من المؤلفات الأخرى .

و نضيف في هذا المجال ما قرأه المؤلف من كتب النحو على يد أئمة فلسطين الذين يهتمون كثيرا بهذا العلم . فقد لقي العياشي في هذا القطر الشيخ الحافظ العلامة علي المغربي المالكي و قرأ ‹‹ عليه غالب ألفية ابن مالك ››(47). كما لقي الشيخ حسن الشهير بابن حسين و حفظ عليه ‹‹ نحوا من ربع كتـاب الله العزيز و نحو من ربع كتاب الكنز و ملحة الإعراب و الأجرومية ››(48) . ثم لقي شيخ الإسلام تقي الدين بن غالي الحنبلي و قرأ عليه ‹‹في النحو مغني اللبيب لابن هشام بطرفيه قراءة تحقيق مع حضور دروس له كثيرة بمدينة بعلبك ››(49) . و للإشارة فقد خصص العياشي فصلا عن هؤلاء الأئمة سماه ‹‹ فصل في ذكر بعض السـادات و المشـايخ الأعلام من أئمة العلمـاء الكرام الذين أخذت عنهم مـا تيسـر من العـلم الشريـف و انتفعـت بفوائـدهم الجليلة ... ››(50) .

42 - ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 333 .

43 – نفسه ، ج 1 ، ص 336 .

44 – نفسه ، نفس الصفحة .

45 – نفسه ، ج 1 ، ص 337 .

46 – نفسه ، ج 1 ، ص 344 .

47 – نفسه ، ج 2 ، ص 342 .

48 – نفسه ، نفس الصفحة .

49 – نفسه ، ج 2 ، ص 341 .

50 – نفسه ، نفس الصفحة .

أما فيما يخص ما درسه العياشي و أقرأه خلال رحلته فإننا نمثل له بما درسه أيام إقامته بالمدينة المنورة . فقد درس " مختصر الشيخ خليل " في الفقه المالكي بكيفية لا بأس بها على حد قوله . غير أنه ينقل ارتسامات الحاضرين حوله لأنهم لم يرو مثل شرحه منذ أزمان(51) . و قد حضر مجالسه عدد من طلبة المدينة و بعض شيوخها أيضا مثل الشيخ حسن البري المالكي الذي سمع من أبي سالم كتبا أخرى مثل " منظومته في البيوع "(52) و بعض " الحكم العطائية " . و حظي بإجازة منه . و الملاحظ أن أبا سالم يقبل على كل أنواع العلوم و العارف في الدرس و التحصيل ، و لكن مشاركته الفعلية في التدريس لم تتعد العلوم النقلية التي كـان له إلمام واسع بها ، حيث إنه لا يجرؤ على تدريس باقي الفنون . فعندما عرض عليه بعض الأصدقـاء السودانيين إقراءهم " مقدمات السنوسي " و " نقاية السيوطي " (53) قبل ذلك شريطة ألا يتجاوز مبادئ العلوم التي حصل له فيها نصيب بالرغم من كونه لم يسبق له أن قرأهـا أو أقرأهـا من قبل و امتنع عن الخـوض في فني التشريح و الطب ذاكرا قوله تعـالى ‹‹ و لا تقف مـا ليس لك به علم ››(54) . و تابع معهم بعض الدروس فأقرأ " القرطبية " في فقه مـالك و بعض النحو و البلاغة . يقول أبو سالم عن ذلك : ‹‹ و أقرأت أيضا القرطبية في فقه مالك . و أقرأت أيضا نحو ربع الألفية وبعض مختصر العصامي في الاستعارة . كل ذلك في محل جلوسنا تحت الأسطوانة ››(55) .


51 - ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 276 .

52 – نفسه ، ج 1 ، ص 298 .

53 – نفسه ، ج1 ، ص 278 . " مقدمات السنوسي" : في علم التوحيد ، و " نقاية السيوطي " : مختصر في

14 علما .

54 – سورة الإسراء ، الآية 36 .

55 - ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 279 .

هـ - كتب أخرى في سياقات متنوعة .

إلى جانب الكتب السالفة الذكر ، و التي جاء الحديث عنها في إطـار سياقات خاصة ، فإن هناك عددا كثيرا من الكتب جاءت في سياقات متنوعة . فالدارس لماء الموائد سيلحظ أنه لا تكاد أية صفحة تخلو من كتاب .

و من تلكم الكتب نجد بعضها قد جاء في إطار التعريف بأصحابها ، حيث إنه إذا ذكر المؤلف من دون المؤلف كان الشخص مجهولا نوعا ما . لذلك عمد العياشي في بعض الأحيان إلى إضافة اسم المؤلف للمؤلف ليحصل الفهم . يقول مثلا : ‹‹ ... أبي القـاسم عبـيد الله بن الجـلاب البغدادي مؤلـف التفريـع ››(56) ، أو ‹‹ ... الشيخ محمد الغوث صاحب الجواهر ››(57) . و في موضع آخر من الرحلة يقول : ‹‹ عن الكركاني صاحب منارات السائرين ››(58) . و من الكتب ما يجتزئ أبو سالم باسمهـا و يستغني عن اسم صاحبها لشهرة هذا الكتـاب . يقـول على سبيل المثال : ‹‹ قال صاحب المختصر ... ››(59) . و يقصد به مختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي .

هذا و عدد كبير من الكتب الأخرى التي استعارها أبو سالم العياشي في مراحل رحلته أو نسخ بعضا منها و جلب الكل معه إلى المغرب . أضف إلى ذلك ما اشتراه من الكتب خلال رحلته .

إن قائمة الكتب التي وردت في سياقات متنوعة لقائمة طويلة . فمن الكتب ما ذكرها العياشي ليستحضر منها قصة أو خبرا من باب الوعظ و الإرشاد . يقول مثلا ‹‹ لطيفة وعظية والشيء بالشيء يذكـر . ذكر الشعراني في طبقـاته عن بعض الصـالحين ممن

يسكن في بعض قرى مصر ... ››(60) . و من الكتب أيضا ما أشار إليها العيـاشي على


56 - ماء الموائد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 200 و 201 .

57 – نفسه ، ج 1 ، ص 137 .

58 – نفسه ، ج 1 ، ص 212 .

59 – نفسه ، ج 1 ، ص 320 .

60 – نفسه ، ج 1 ، ص 125 .

أنها نسبت لغير مؤلفيها ففصل الحديث فيها و استشهد بأقوال بعض شيوخه بنسبة هذه الكتب لأصحابها الحقيقيين .

بهذا نكون قد وقفنا على بعض ما يتعلق بالمكتبة في الرحلة العياشية . و إن كان هناك الكثير مما لم نذكره بشأن الموضوع مثل تركة الشيخ زروق و كتبه . و هذه التركة تتطلب وحدها وقفة متأنية و دراسة مفردة . و نشير إلى أن نص هذه التركة لا نعثر على أثر له في أي كتاب آخر غير رحلة " ماء الموائد " .

خـاتمـة

وصفوة القول إن أهمية هذا العرض تتجلى في التعريف بجانب التواصل الثقافي الذي يمثله تنقل الكتاب و حضوره في بيئات و محـافل يتعرف فيهـا عليه و يثار ذكره و ذكر مؤلفه و موطنه و مواده المعرفيـة و الأدبية . فيربط بين أقطار و رجال في العـالم الإسلامي ، و يتجاوز الموقف الزمني عند إنتـاج الكتـاب و تداولـه ليصل بين المراحل و الأزمان و لتتأكد استمرارية الحضور و التأثير .

لائـحة المصـادر و المـراجع

1 - القرآن الكريم .

2 - أبو سالم العياشي ، مـاء الموائـد ، تحقيق محمد حجي ، الطبعة الأولى المصورة

بالأوفسيط . سنة 1977 ، جزآن .

3 - عبد الرحيم مودن ، أدبية الرحلة ، ط 1 ، دار الثقـافة ، البيضاء ، 1996 .

4 – عبد الله المـرابط الترغي ، " الرحلة الفهـرسية نموذج للتواصل داخل العالم

الإسلامي " ، سلسلة ندوات و مناظرات رقم 108 ، منشورات كلية الآداب

و العلوم الإنسانية بالرباط .

دراسة في كتاب

"زهر الأكم في الأمثال والحكم" للحسن اليوسي


1. شخصية الحسن اليوسي

عندما نتحدث عن شخصية اليوسي فلا ريب في أن نذكر هنا إلى أنه من أشهر الشعراء والعلماء في القرن الحادي عشر الهجري أو السابع عشر الميلادي، إذ أنه عالم كل العلوم وعارف بما يحتاجه المجتمع في عصره. وكان حاضرا في الفقه والحديث والمنطق والتصوف والرسائل والآداب، إذ يمكن وضعه كأشهر عالم اللغة والنحو في عصره. يقول بعض المستشرقين عنه، وهو البروفيسور " بروفانسيال" ـ بعد مرور قرنين من وفاته قال : "قبل أن يكون اليوسى عالما بالتوحيد، عضوا عاملا في الطريقة الصوفية، كان أديبا متضلعا في الأدب العربي، وشاعرا ذا قيمة لا يستهان بها"[1]. وأكد محمد الفاسي أن اليوسي : "ذائع الصيت لاسيما في العقائد والفقهيات. وقد كان أيضا وقبل كل شيء أديبا وشاعرا ذا موهبة عالية، بل أنه أكبر شعراء القرن الحادي عشر أو السابع عشر الميلادي[2]".

هو أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي، ولد سنة 1040 هـ في قبيلة أيت يوسي الكبرى جنوبي فاس. يقول اليوسي في الممحاضراته معرفا بنفسه : "أنا الحسن بن مسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف"[3].

لُقب اليوسي بكنية كثيرة حيث ذُكر أكثر من مرة : أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد"[4].

لقد أقبل اليوسي على العلم إقبال الظمآن على الماء، ولم يفارقه منذ ذلك الحين رغم أنه نشأ في بيئة وعرة الطبيعة، صعبة المراس، تتسم بالحركة البشرية المتنوعة، وبالإضطرابات والفتن والثورات[5].


رحلته وشيوخه

لقد اتجه منذ صغره إلى طلب العلم، فحفظ القرآن في كتاب قريته، ثم انتقل في طلب العلم إلى حلقات شيوخه بـسجلماسة، وسوس، ودرعة، ومراكش. وأخيرا استقر بزاوية الدلاء، طالبا أولا، فمدرسا بعد ذلك[6].

رحل اليوسي في طلب العلم، رغبة منه في لقاء الشيوخ، والسماع عنهم. وقد كانت وجهته الأولى منطقة درعة، أو ما أضحى يعرف باسم الزاوية الناصرية فيما بعد، لملاقاة الشيخ أبي عبد الله محمد بن ناصر الدرعي. وهو أول من ناداه بالكنية التي اشتهر بها وهي : أبو علي حين مدحه اليوسي بداليته المشهورة، والتي تشتمل على خمسمائة وستة وأربعين بيتا.

كما رحل اليوسي إلى جبل دمنات، حيث كان يحضر مجلس أبي الحسن علي ابن العباس، ثم التحق بالزاوية الدلائية، أكبر مركز علمي في المغرب في هذه الفترة من تاريخه[7]. وقد ظل اليوسي بالزاوية الدلائية زهاء عشرين سنة طالبا وأستاذا، كما تتلمذ على واحد من أكبر شيوخها، وهو أبو محمد بن محمد المرابط الدلائي (ت 1089 هـ) والذي قرأ عليه تلخيص المفتاح للقزويني.

كما تتلمذ على الشيخ أبي عبد الله محمد بن سعيد المرغثي (ت 1089 هـ)[8] الذي قرأ عليه ألفية ابن مالك. وتتلمذ أيضا على أبي محمد بن عبد القادر بن علي الفاسي (ت 1091 هـ)[9].

كما يعد أبو العباس أحمد بن سعيد المجيلدي أحد شيوخ اليوسي الذي قرأ عليه "مختصر خليل"، ومنهم أيضا أبو مهدي السكتاني (ت 1062 هـ) الذي قرأ عليه مختصر الشيخ السوسي في المنطق، والقائمة تطول. وقد خص لها آخر كتابه المحاضرات الذي ذكر فيه قائمة الشيوخ الذين تتلمذ عنهم أو لقيهم.

كما انتقل إلى فاس بعد تخريب الزاوية الدلائية من قبل المولى الرشيد بأمر من السلطان[10] وذلك سنة 1079 هـ.

وقد التف حوله الناس للسماع عنه إلا أنه سرعان ما وقع له خلاف مع أهل فاس فخرج اليوسي من فاس وزار مدينة تطوان سنة 1083 هـ وكانت تعيش ظروفا صعبة. كانت تواجه حملات عسكرية أجنبية متوالية بسبب طمع الاسبان والبرتغال فيها فشاركها اليوسي صعودها بقصائد جهادية، يقول اليوسي في قصيدته ترغيبا في الجهاد :

طوبى لعبد خاشع ينقلــب

يترصد الصلوات في ميقاتها

وعن المأثم كلها يتجنب

وعن المأثم كلها يتجنب

ثم زار تطوان مرة أخرى سنة 1085 هـ ومدح أهلها بقصيدة مطلعها :

تطوان شفت الفؤاد المسقما *** وجلت من الأحزان ليلا مظلما

إلى أن قال : متأسفا على فراق أهل تطوان :

لله در أحبة غادرتهم *** فيها يعدون الصداقة مغنما

ثم رحل بعد ذلك إلى مدينة مراكش سنة 1087 هـ ومكث بها حتى سنة 1093 هـ.

وقد رحل إلى الحج سنة 1101 هـ، إلا أنه توفي بعد عودته مباشرة سنة 1102 هـ.

آثـاره

ترك الحسن اليوسي بعد موته آثارا جليلة تمثلت في ذلك الكم الهائل من المصنفات والمؤلفات في مختلف المجالات، ضاع بعضها ولازال البعض الأخر مخطوطا في خزانات مغربية وغيرها. وسنذكر بعضا من كتبه في كل مجال تدليلا على عبقريته:

‌أ- في الفقه والحديث

- أرجوزة فقهية

- قواعد الاسلام من مضمون حديث النبي عليه السلام

‌ب- في الأدب

- "زهر الأكم في الأمثال والحكم"

- المحاضرات

- فهرسة

‌ج- في التصوف

- أربعة وعشرون سؤالا تتعلق بصاحبة الشيخ وتأدية الأوراد

‌د- الرسائل

- هرسالة في نصح المسلمين

- رسالة إلى الصوفيين

‌ه- في التوحيد

- حاشية على شرح السنوسي لعقيدته الكبرى

- إضافة إلى فهرسته وكذا القانون. ومجمل القول إن "المترجم له ممن أفردت ترجمته بالتأليف وهو جدير بذلك لتمام مشاركته وسعة تبحره وطلاقة قلمه وقوة قلبه وشجاعته وفي ترجمته من نشر المثاني : هو ممن يستحق أن يوضع في ترجمته مجلدات[11].


دراسة كتاب زهر الأكم في الأمثال والحكم :

إن كتاب "زهر الأكم في الأمثال والحكم" يعتبر باكورة طيبة من بواكير الدراسات الأدبية في المغرب، هذه البلاد التي لا تزال بحاجة إلى كثير من الدراسات في جميع أوجه مظاهر الحياة العامة لسكانها، من تاريخ واجتماعية وأدبية وغيرها. وجاء هذا الكتاب متحدثا باسم عصره وأجياله مما يمكن أن يكون دليلا لحضور الأمم.

لقد افتتح اليوسي كتابه هذا بمقدمة عرض فيها ملامح مؤلفه القيّم التي كانت تدل على دلالة قاطعة على ضلاعته اللغوية، وقوة عارضته وسعة تفكيره، كما أنه عرض للتعريف بالأمثال والحكم وفائدتهما وفضلهما وعن الأمثال الشعرية التي لا تخلو كذلك من أصالة كمصدر أساسي في الأمثال والحكم أنذاك.

فكلمة "مثل" عند اليوسي له ثلاثة أضرب، الأول بمعنى الشبه، يقال : "هذا مثل ذلك" أي شبهه؛ ويقال أيضا "هو مثله بكسر فسكون، ومثيله، كما يقال شبه وشبه وشبيه"؛ ويقال في هذا المعنى الأمثل من الناس وهو الأفضل، لأن معناه الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير، يقول تعالى }إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً{[12]، }وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى[13]{، أي أشبه بالحق والفضيلة. الثاني : الصفة. اتخذ اليوسي هذا المعنى معتمدا بما قاله تعالى }مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ[14]{ أي صفتها ونحو هذا. وقال آخر }لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ[15]{ أي لهم الصفات الذميمة وله الصفات العلي؛ ويقال في هذا المعنى أيضا : مثال. والضرب الأخير أي الثالث هو : القول السائر المشبه مضربه بمورده. قال تعالى }وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ[16]{.

ففي هذا السياق، ذكر اليوسي أراء القدامى عن الأمثال مبينا بما يوافق أراءه، منهم : الراغب والمرزوقي وغيرهما.

1. عنوانه

لعل أول ما يستوقف القارئ هو العنوان، وعليه يسعى المؤلف إلى جذب المتلقي عن طريقه، ولذا تجد العناوين التي يضعها القدماء مسجوعة ودالة. وعلى هذا النهج سار الحسن اليوسي في مصنفاته كما هو الشأن بالنسبة لكتابه "زهر الأكم".

وإذا كان العنوان مفتاح النص، وعن طريقه يمكن فهم محتوى الكتاب، فإنه ولابد من تفكيك العنوان لفظا لفظا والإبانة عن سر جمع المصنف بينها.

جاء في لسان العرب : "زهر، الزهرة : نور كل نبات والجمع زهر"[17].

كما جاء أيضا أن الأكم : إشراف في الأرض كالروابي[18]، وقيل المقصود به التل. كما ورد أن المثل هو "الشيء الذي يضرب لشيء مثلا، فيجعل مثله، وفي الصحاح : ما يضرب به من الأمثال، قال الجوهري مثل الشيء أيضا صفته"[19].

أما "الحكمة" فهي : عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم"[20].

يبدو إذن أن قيمة الزهر لا يجهلها أحد، وخاصة عند ما تنبت بالأكم ولذا استعار اليوسي هذين اللفظين وقابلهما بمحتوى الكتاب إشارة منه إلى كون مؤلفه يعد نورا منيرا في فن الأمثال والحكم.

وبدراستنا للجملة كلها، نجد أن اليوسي وظف ظاهرة الحذف الذي هو خلاف الأصل ويكون لمجرد الإختصار والإحتراز عن العبث، بناء على وجود قرينة تدل على المحذوف، ويدرك المتلقى الحذف في العنوان بكون "زهر" خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هذا "زهر الأكم". وقد لحق الحذف المبتدأ الذي يعتبر مسندا إليه من الناحية البلاغية. ويشير البلاغيون إلى أن من أغراض حذف المسند إليه: استحضاره في ذهن السامع، هكذا أراد اليوسي لمصنفه أن يستحضر من لدن كل سامع سمع به مما يبين أن الرجل كان مدققا أشد التدقيق في وضعه ذاك العنوان.


2. تعريفه وتصنيفه

يقع كتاب "زهر الأكم" في ثلاثة أجزاء متوسطة وقد نشر ضمن منشورات معهد الأبحاث والدراسات للتعريب، بتحقيق الدكتورين محمد حجي ومحمد الأخضر وقد صدر عن دار الثقافة بالدار البيضاء. كانت أول طبعة للكتاب سنة 1401 هـ/1981 م، وهي الطبعة التي اعتمدتها للدراسة عليه ولم أقف على طبعات أخرى للكتاب.

كما قلت يقع "زهر الأكم" في ثلاثة أجزاء، يقع الجزء الأول في 357 صفحة، والجزء الثاني في 315 صفحة، والثالث في 415 صفحة، وقد قسمه اليوسي إلى سمطين، ووضع لهما مقدمة عدت بمثابة خطبة الكتاب، وقد صاغها صياغة أدبية مسجوعة دلت بحق عن تمكنه وتضلعه في الأدب وفنونه، واتبعها بالسمط الأول، ويشمل الأمثال وما يلتحق بها، وقسمه إلى أربعة فصول : الأول في معنى المثل والحكمة، والثاني في فائدتهما، والثالث، في فضل الشعر والرابع في الأمثال الشعرية، ليختم بخاتمة في نهاية الكتاب.

ويشمل السمط الأول على أربعة وثلاثين بابا، خمسة وعشرون منها في الأمثال العربية، والباب الثلاثون في الأمثال التركيبية، الحادي والثلاثون في الأعيان، الثاني والثلاثون في الأمثال القرآنية، والثالث والثلاثون في الأمثال الحديثية، الرابع والثلاثون في التشبيهات الشعرية.

أمالسمط الثاني فقد خصصه للحكم وفيه اثنان وثلاثون بابا، تسعة وعشرون في الحكم على حروف المعجم، الباب الثلاثون في حكم مجموعة، الحادي والثلاثون في النواذر، الثاني والثلاثون في الأوليات، ومجمع ذلك كله ستة وستون بابا. ويشاء القدر ألا يُمْهل اليوسي تحقيق غرضه كاملا من الكتاب فيموت وهو لم يكتب منه غير المقدمة والخاتمة وأربعة عشر بابا من السمط الأول.

وكما يدل عنوان الكتاب، فهو في الأدب وتحديدا في الأمثال والحكم، وهو نظير لما ألف وجمع في ميدان الأمثال والحكم مثل كتاب "الأمثال" للمفضل الضبي وكتاب "جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري، وكتاب "مجمع الأمثال" لأبي الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الميداني، وكتاب "الوصايا والأمثال والموجز من محكم الأقوال" لأبي الوفاء المبشر"[21].

3. أسباب التأليف

لاريب أن أي مؤلف إلا له حكاية كانت وراء تأليفه إما إعجابا بالموضوع أو سعيا إلى دحض رأي ما.

وفي قراءتنا الأولى في مقدمة كتاب "زهر الأكم" نجد أن أبا علي اليوسي قد ذكر دواعي تأليفه لكتابه، يمكن إجمالها فيما يلي :

1) تشوق أبي علي اليوسي لفن الأمثال ومأثره، حيث يقول : "وكانت نفس تشوقني إلى هذا الفن ومأثره..."[22].

2) رغبة الحسن اليوسي الجامحة الوقوف على مؤلَف في فن الأمثال، حيث كان الرجل يشتاق أن يرى موضوعا أو يصادف كتابا في فن الأمثال. يقول : "فكنت أشتاق أن أرى في هذا موضوعا وأصادف كتابا مجموعا مما عُني به الأقدمون، وأفتفي أثرهم فيه المتأخرون"[23]. إلا أن هذا لم يتحقق للرجل، فما كان منه إلا أن طفق يجول في عرضات كتب الأدب، وكل ما له صلة بكلام العرب حتى التقط من ثمين جوهرها واقتطف من ينبوع جوهرها.

3) تدوين اليوسي لما علق بخاطره خشية النسيان مع تطاول الزمان.

هذه هي أهم الدوافع التي حركت الرجل إلى التأليف في هذا الفن، ومن ثمة يذكر اليوسي أنه شبه الواضع لفن الأمثال وإن سبق والمخترع وإن نقل"[24].

كيف طريقته في تأليف هذا الكتاب ؟

إن عملية التواصل بين المبدع والمتلقى تكون حاضرة في ذهن المؤلف الذي يسعى إلى توصيل إنتاجه عبر قالب ميسر ومنظم. وقد اختار اليوسي في كتابه "زهر الأكم" منهجا سار فيه على نهج الأقدمين، كما سعى إلى تأطير مضمون الكتاب تأطيرا مضبوطا، إذ منذ البداية، أجاب اليوسي عن سؤال افترض أن المتلقي سيطرحه لا محالة قبل الشروع في قراءة سطور المؤلف وهو ماهية المثل والحكمة ؟ وقد عرف بهما أولا ذاكرا الحكمة من تداولهما من داخل القرآن والسنة النبوية، وكيف سار العرب على اقتفاء الأثر، نظرا لما للمثل والحكمة من وقع موسيقي جرسي على النفس ليأتي وقعهما التأثيري المتمثل أساسا في الإعتبار والاتعاظ.

ودفعا لأي لبس قد يقع فيه القارئ رتب اليوسي الأمثال المذكورة في كتابه على الحروف الأبجدية دون اعتبار للحروف الزوائد، إلا أن يكون مما ينبني عليه التركيب كـ : لا و ما النافيتين وفي والباء الجارتين[25]، وعليه فقد وافقه منهج اليوسي منهج من سبقوه بالتأليف في هذا الفن، كالنيسابوري في كتابه "مجمع الأمثال"، ومنهج اليوسي في إيراد الأمثال. منهج مفيد وطريق فهو يسوق المثل ويشرح ألفاظه من ناحية اللغة شرحا دقيقا، ويشير إلى الموقف الذي يضرب فيه المثل، ثم يحكي الحادثة التي تمخض عنها، وقد يورد في بعض الأحيان شبيهه عند العامة[26]. ولم يقف اليوسي عند هذا فحسب، بل سعى إلى تعضيد مغزى المثل من داخل الشعر العربي أو ما جاءت به قريحته، وتتفاوت استشهاداته من مثل لآخر، ولقد أشار اليوسي إلى هذا قائلا : "فكنت في ذلك شبه الواضع وإن سبقت، والمخترع وإن نقلت، وأضفت إلى ذلك من نفائس النوادر دررا، ومن نكت الفوائد غررا، وجمع فيه من شعر الأقدمين والمحدثين عيونا، وقضيت من غريبه ديونا، وما ذكرت شعرا إلا إخترته، ولا ألممت بمنزع إلا حررته، ولا دفعت إلى مبهم إلا أوضحته، ولا افتتحت بابا إلا أقممته مع جملة وافرة من علم اللغة، تكون للمقتصر عليه كفاية وبلغة، لولا أني رمت بذلا على تقتير وإنباضا بلا توتير"[27].

4. قيمة الكتاب

إن الكشف عن قيمة كتاب ما تتطلب الإحاطة بمحتوياته ومضامينه، وبرجوعنا لكتاب "زهر الأكم"، ندرك القيمة العلمية له. وعليه يمكن إجمال قيمة الكتاب العلمية وكذا قيمه الجمالية فيما يلي :

1) كون الكتاب مصدرا من مصادر الأدب لما فيه من روايات نقدية وشعرية يمكن أن يستعين بها القارئ لفهم تراثنا الشعري.

2) كونه من ضمن المصادر التي تناولت فن الأمثال والحكم تنظيرا وممارسة، مما جعله ركيزة وذخيرة لا يمكن تجاوزه لغيره أو البحث في مظان الأمثال والحكم دون الرجوع إليه.

3) احتواؤه على مادة شعرية غزيرة جمعت بين القديم والحديث تمثلت في استشهاده بشعر الجاهليين وكذا الشعراء المخضرمين والإسلاميين مع التركيز أحيانا على شعراء الأندلس نظرا لجودة شعرهم تبعا للبيئة التي نشأوا فيها.

4) استعانته بالقرآن وتفسيرات العلماء له وكذا السنة النبوية وشرح المحدثين لها في الشرح لما يأتي به مما يجعل من الكتاب أيضا مرشدا للباحث في المجال الديني.

5) تناوله لبعض القضايا التي سال حولها مداد كثير، ولم يحسم فيها بعد، وهي قضية الإسلام والشعر، وكيف تحدث اليوسي عنها بطرافة، وطرحه لأقوال العلماء في المسائل التي كانت محط خلاف بينهم. ولنستمع، إلى قوله بعد التدليل على فضل الشعر –أعني الحسن منه- بقول : وبالجملة ففي كل كلام ينطق به اللسان شعرا أو نثرا، إنشاء أو حكاية، فوائد وآفات فصلها علماء الشعر، وحرروها، فمن ظفر بالفائدة، سلم عن الآفات، فهو الذي ينبغي له أن يتكلم إما وجوبا أو ندبا بحسب الفائدة. ومن لم يظفر بالفائدة، ووقع في الآفة أو توقعها فهو الذي لا ينبغي له أن يتكلم إما تحريما أو كراهة بحسب الآفة"[28].

6) استعانة اليوسي في كتابه ببعض الأمثال العامية، وكذا أمثال المولدين وتقديمها في قالب فصيح "امش بالنعلين حتى تجد السباط"، وهنا نلحظ أن الرجل احتفظ باللفظ العامي (السباط) "[29].

7) ذكره وشرحه لبعض الظواهر البلاغية، كما في قوله : والبيت له

فالجسم بالٍ ذو بال بعدكم أبدا به عرضُ الشعوب جديد

وفي هذا البيت الجناس بين بال وبال، والإقتباس في الجسم والعرض ومراعاة النظير بذلك الاعتبار والطباق بين البلي والجدة[30].

8) تناوله لبعض الظواهر النحوية وشرحها. كما في قوله في التعليق على هذا المثل : الجحشَ لمَّا يذّك الأعياز.

9) ولفظ الجحش في المثل يكون منصوبا على الإغراء، اي عليك الحجش ويجوز أن يرفع على الإبتداء أو الخبر اي الجحش حسبك أوحسبك الجحش[31].

10) الإبانة والإفصاح عن قيمة الأمثال المذكورة: كتعليقه على مجموعة من الأمثال بقوله : مصنوعة كما في : جرب ثم باعد أو قرب[32].

11) حديثه عن بعض الأمور النادرة، كآلات الكتابة وأصناف الكتاب

أما ما يتعلق بالقيم الجمالية داخل متن الكتاب، فمنذ الصفحة الأولى، تدرك سلاسة التعبير ورونقه، وجماليته، خاصة ظاهرة السجع، التي صاغ بها المقدمة كاملة. كما تتبدى أيضا القيم الجمالية في ذلك الشعر المستشهد به، وما يحفل به من صور جمالية وفنية، تدل على تذوق الرجل للشعر ومعرفته به، وكيف لا وهو القائل : "لو شئت أن لا أتكلم إلا الشعر لفعلت".

هذا ولم يصل من الكتاب إلا جزءٌ يسير من التصور الذي كان في ذهن اليوسي، وفي رأيي لو أنه خرج في الحلة التي يريدها اليوسي، لشكل موسوعة لفنون وعلوم عدة، نظرا لموسوعية الرجل.


لائحة المصادر والمراجع

1. زهر الأكم في الأمثال والحكم، الحسن اليوسي، تحقيق، محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الثقافة، الطبعة 1 1401/ 1981.

2. الحياة الأدبية بالمغرب على عهد الدولة العلوية، للدكتور محمد أحضر.

3. الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي، محمد حجي المطبعة الوطنية الرباط 1384 هـ/1964 م.

4. عبقرية اليوسي، عباس الجراري، ص : 21-23، دار الثقافة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1401 هـ./1981 م.

5. الفقيه أبو علي اليوسي.

6. فهرس الفهارس والاثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، اعتناء أحسان عباس، دار المغرب الأسلامي الطبعة 2/1402/1982/ .

7. لسان العرب، ابن منظور، دار صادر بيروت، الطبعة 1، 1410/1990، مادة زهر.

8. مجلة دعوة الحق السنة 7، 1963ن العدد 3 دجنبر، مقال : حسن الوراكلي، "زهر الأكم في الأمثال والحكم"، عرض وتعليق.

9. المحاضرات، الحسن اليوسي إعداد : محمد حجي، ص : 15، دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، 1396 هـ/1976م.



[1] الحياة الأدبية بالمغرب على عهد الدولة العلوية للدكتور محمد أحضر: 122 نقلا من ل. بروفنسال، شرفاء، ص: 269.

[2] نفسه : 123، نقلا من م. الفاسي، الأدب المغربي، ص : 534.

[3] المحاضرات، الحسن اليوسي إعداد : محمد حجي، ص : 15، دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط، 1396 هـ/1976م.

[4] المحاضرات، ص : 15.

[5] عبرقة اليوسي، عباس الجراري، ص: 21. دار الثقافة الدار البيضاء، الطبعة الأولي، 1401 هـ/ 1981 م.

[6] عبقرية اليوسي، عباس الجراري، ص : 21-23، دار الثقافة الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1401 هـ./1981 م.

[7] الفقيه أبو علي اليوسي، ص : 132.

[8] المحاضرات، ص : 303

[9] نفسه، ص : 303

[10] الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي، محمد حجي المطبعة الوطنية الرباط 1384 هـ/1964 م ص: 100.

[11] فهرس الفهارس والاثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، اعتناء أحسان عباس، دار المغرب الأسلامي الطبعة 2/1402/1982/ ص: 1160، المجلد 2.

[12] سورة طه، الآية : 104.

[13] سورة طه، الآية : 63.

[14] سورة محمد، الآية : 15.

[15] سورة النحل، الآية : 60.

[16] العنكبوت، الآية : 43.

[17] لسان العرب، ابن منظور، دار صادر بيروت، الطبعة 1، 1410/1990، مادة زهر، ص: 332.

[18] نفسه، مجلد 12 مادة أكم ص: 21

[19] نفسه، مجلد 11 مادة مثل ص : 611

[20] نفسه، مجلد 12 مادة حكم ص : 140

[21] مجلة دعوة الحق السنة 7، 1963ن العدد 3 دجنبر، مقال : حسن الوراكلي، "زهر الأكم في الأمثال والحكم"، عرض وتعليق، ص : 34-38.

[22] "زهر الأكم في الأمثال والحكم"، الحسن اليوسي، تحقيق، محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الثقافة، الطبعة 1 1401/ 1981، ص : 13.

[23] "زهر الأكم في الأمثال والحكم"، الحسن اليوسي، تحقيق، محمد حجي ومحمد الأخضر، ص : 13

[24] "زهر الأكم في الأمثال والحكم"، الحسن اليوسي، تحقيق، محمد حجي ومحمد الأخضر، ص : 16

[25] "زهر الأكم" ص : 58.

[26] دعوة الحق

[27] زهر الأكم، ص : 58.

[28] "زهر الأكم في الأمثال والحكم"، الحسن اليوسي، تحقيق، محمد حجي ومحمد الأخضر، ج 1، ص : 49.

[29] نفسه، ص : 22

[30] "زهر الأكم في الأمثال والحكم"، الحسن اليوسي، تحقيق، محمد حجي ومحمد الأخضر، ج 2 ص : 31

[31] نفسه، ص : 40

[32] نفسه، ص : 43